موقع بلدية مركبا

  • الخلاصات
  • اتصل بنا
  • الرئيسية
  • الرئيسية
  • اخبار البلدية
  • نشاطات عامة
  • مشاريع البلدية
    • قيد التنفيذ
    • للتنفيذ
    • أفكار مشاريع
  • أخبار عامة
  • ألبوم الصور
  • صفحة المقالات
  • اتصل بنا
  • RSS

أقسام المقالات

  • اخبار بلدية مركبا
  • نشاطات عامة
  • مشاريع البلدية
    • قيد التنفيد
    • للتنفيذ
    • أفكار مشاريع
  • أخبار عامة

محرك البحث


أكثر المقالات زيارة

  • مشروع الحديقة العامة في بلدة مركبا - تصميم شركة أرش
  • بدأ اعمال التحديد والتحرير في مركبا بتاريخ 7-5-2012
  • قراءة في صفحات مطوَّية من تاريخ جبل عامل قرية مركبا أنموذجاً
  • من ضمن خطة البلدية المقررة للعام 2012
  • خطة البلدية للتنفيذ لعام 2012

قراءة في صفحات مطوَّية من تاريخ جبل عامل قرية مركبا أنموذجاً

قراءة في صفحات مطوَّية من تاريخ جبل عامل

قرية مركبا أنموذجاً

أ.د. عبد المجيد زراقط

الاسم

في الاسم: مركبا، اسم مشتق من ركب، ويقال: مركبا يعني موضع الرُّكوب، وسنعرف سبب إطلاق هذا الاسم في ما سيأتي من حديث. وفي معاجم اللغة: "كل شيءٍ علا شيئاً فقد ركبه". والرَّاء والكاف والباء أصل واحد مطرد منقاس، وهو علو شيءٍ شيئاً. وإن أضفنا إلى هذه المعلومة أن المركب يعني الموضع([1])، نستنج أنَّ مركبا تعني الموضع المرتفع الذي يعلو ما يحيط به، فيبدو كأنَّه التاج المطل على ما حوله، وهو ما يفيده قول أنيس فريحة: "مركبا: المركبة والعجلة والعربة، وتطلق مجازاً على التاج"([2]).

وهذا المعنى يفيده موقعها، فالقرية القديمة تقع على تلَّة عالية مشرفة، ما يجعلها تبدو للناظر إليها كأنها التَّاج، وبخاَّصة أنَّها – أي القرية القديمة – كانت محاطة بالأشجار الخضراء التي بقي منها، حتى اليوم، زيتونات الجنينة الموغلة في القدم. أمَّا، اليوم، فقد امتدت مركبا وانتشرت بيوتها على مجموعة من التلال، تفصل بينها "خلالٍ" كثيرة، فتبدو كأنَّها قرى متَّصلة، وليست قرية واحدة.

قدم القرية

وجود زيتونات كثيرات موغلةٍ في القدم، في أرض واسعةِ استُصْلِحَت جيِّداً وغدت خصبة، واستُخدمت في زراعات متنوِّعة تخضرّ وتزهر وتثمر طوال العام، ما دعا إلى تسميتها بالجنينة، يعني أن القرية قديمة. يؤيِّد هذا الاستنتاج ما يوجد فيها من آثار، ففيها من الآثار ما يدل على أنها شديدة القدم. ومن هذه الآثار المغاور الكثيرة التي يذكرها السيِّد محسن الأمين (رحمه الله) في كتاب خطط جبل عامل، فيقول: "مركبا... فيها مغاور كثيرة، يوجد فيها من الأواني الزجاجيَّة البديعة الصُّنع شيء كثير، ولأهلها معرفة في الاهتداء إليها, ويظهر أنه كان فيها معمل للزجاج..."([3]). والظَّاهر أنَّ السيِّد الأمين كان يعرف الحكايات الكثيرة التي كانت تُحْكى لنا عن فتح المغاور، ولعلَّها مثَّلت ظاهرة بارزة في عصره، فعرفها، وعرف أن أهل القرية لهم خبرة بالاهتداء إلى المغاور وفتحها. ويبدو أن معظم هذه المغاور قد فُتح وفُقد ما كان يحتويه. والآن تكتشف مغاور، بين آنٍ وآخر، ولكنَّها، وللأسف، تخفى، وهذا خطأ؛ إذ ينبغي أن توضع بين أيدي أصحاب المعرفة: مديرية الآثار، فقد تُكْشَف أمور كثيرة...

زمن بناء واستقرار قديم

لن أتحدَّث عن الزَّمن الذي كان يوجد فيه، في مركبا، معمل زجاج؛ إذ ليست لدينا، حتى الآن، معطيات عنه سوى تقديرنا أنَّه قديم جدَّاً، وقد يسمح بعض أصحاب المغاور المخفيَّة، أو المطمورة، لذوي المعرفة بالحصول على ما يفيد في هذا الشأن.

ما سوف أتحدَّث عنه هو زمن ليس بالبعيد كثيراً، ونملك عنه معطيات ذات دلالة، ومن هذه المعطيات:

في ما يتعلَّق بجبل عامل بعامَّة، يخبرنا الرحَّالة ابن جبير عن جبل عامل، وكان قد مرَّ به سنة 580هـ.، (رحلة ابن جبير 578 – 581هـ./1182 – 1185م.)، وهو قادم من دمشق إلى صور: "ورحلنا عن تبنين...، وطريقنا كلُّه على ضياع متصلة وعمائر منتظمة سكانها كلهم مسلمون". ويخبرنا المؤرخِّون أن جزِّين كانت حافلة بالعامليين سنة 650هـ.، وكانت فيها حوزة علميَّة مزدهرة دعت أحد الشُّعراء إلى القول: "عرِّج على جزِّين، يا مستبعد النَّجف..."، وسنعرف، بعد قليل، أنَّ المنطقة التي تقع فيها مركبا كانت ذات صلة بجزين، وخصوصاً بعالمها المعروف: الشهيد الثاني.

وفي ما يتعلَّق بمركبا، ومنطقتها، لدينا المعطيات الآتية:

في أعلى الجبَّانة القديمة بناء مؤلَّف من غرفتين، وعليه قبَّة، وتمتد أمامه باحة، ويبدو أنَّه رمِّم غير مرَّة، وأضيفت إليه أجزاء... نعرف، نحن، أبناء مركبا، هذا البناء باسم "النَّبي منذر". ويقول السيِّد الأمين في خططه عن مركبا: "وفيها مشهد يسمَّى مشهد منذر، وله أوقاف، وعليه قبَّة"([4]). ونقرأ في نقش على حجر استُخْرج من باحة البناء أنه مسجد بناه محمد حرب بن علي الصغير سنة 1110هـ.، أي منذ 314 سنة.

والأسئلة التي تطرح، هنا، كثيرة، منها: هل هذا البناء مسجد، أو مشهد لولي اسمه منذر؟ أو مقام لنبي اسمه منذر، ومن هو منذر هذا؟ وما علاقته بمحمد حرب بن علي الصغير؟ ومن هو محمد حرب هذا؟ وما علاقته بمركبا؟

نحن نعرف أن ليس من نبيٍّ اسمه منذر، ونعرف أنَّ آل علي الصغير، وحكَّام جبل عامل آنذاك، كانوا يبنون مساجد ومشاهد للأولياء، ويدفنون فيها كبراءهم، ومنها مسجد هونين، على سبيل المثال، وهو من بناء قبلان الحَسَن من آل علي الصغير (وهو قبلان بن حسن بن أحمد بن مشرف بن أحمد بن نصَّار بن حسين بن علي الصغير)، وكان حاكم منطقة جبل هونين من بلاد بشارة، وكانت منارة المسجد باقية إلى أيام السيِّد محسن الأمين، وعليه هذه الأبيات التي تؤرخ بناءه سنة 1116هـ.

ومـسجـد فـاز ببنيانـه ذو

 

الفـضـل قبلان حليـف النَّدى

كيـف وقد قال لنا جـعـفـر،

 

والقول حقٌّ: مـن بنـى مسجدا

مـذ أمَّـه الناس وصلُّــوا به

 

أرَّخـت خـرُّوا ركـعاً وسجَّدا

وهذا يعني أنَّ مسجد منذر، في مركبا، بني قبل مسجد هونين الذي بناه حاكم المنطقة، ما يدلُّ على أنَّ محمد حرب بن آل علي الصَّغير كان سبَّاقاً. ولعلَّه كان لا يقلُّ أهميَّة عن قبلان نفسه، وسنعرف بعد قليل أنَّ جبل عامل عرف في هذه الآونة استقراراً وازدهاراً.

ومقام يوشع، في مثال آخر، من بناء ناصيف النصَّار (ت. 1195 – 1780م.) (بن محمد بن مشرف بن أحمد بن نصَّار بن حسين بن علي الصغير)، وقد كنَّس، كما يروى، غرفه بعمامته...([5]). وهذا يعني أن محمَّداً بن حرب بن آل علي الصغير بنى ما سمَّاه مسجداً في مكان ينسب لشخص يتبرَّك به الناس اسمه منذر، كما بنى ناصيف مقاماً ليوشع، وقد عني الناس بهذا المقام، فجعلوا له وقفاً من الزيتون ينتج ما يُخَصَّص لترميم المقام وتحسينه، فمن هو منذر هذا؟

يقول السيِّد محسن الأمين: إنَّ مشهداً يحمل الاسم نفسه يوجد في ميس، ويضيف: "يحتمل أن يكون هناك قبر لعالم أو عبد صالح، أما نبيّ، فلا"([6]).

وتتردَّد، في أوساط كبار السنَّ، في المنطقة، عن كبار السِّن من آبائهم وأجدادهم، حكاية تقول: إن منذر هذا هو رجل صالح كان يقود مجموعة تقاوم الصليبين. كان يقيم في المكان المسمَّى باسمه الآن، وكان هذا المكان جزءاً من الأحراش المحيطة بمركبا... وكان هذا الرجل يتنقَّل هو ومجموعته في القرى...، والسُّؤال الذي يُطرح، هنا، هو: ما نصيب هذه الحكاية من الصَّواب؟

تخبرنا وقائع التاريخ أن جلاء الصليبيِّين النهائي عن جبل عامل كان سنة 666هـ./1286م.، وكانوا قد جلوا قبل ذلك سنة 583هـ/1187م. ثم عادوا بناء على اتفاق بينهم وبين خليفة صلاح الدين، ليستعديهم على عمِّه. فهل كانت مقاومة هذا العبد الصالح وأصحابه في الآونة الممتدَّة من عام 583 هـ. إلى عام 666 هـ.، وبخاصة أنَّنا نعرف أنَّ حسام الدين بشارة بن أسد الدين بن عامر... الذي تنسب إليه بلاد بشارة، وهي القسم الجنوبي من جبل عامل، قد جاء مع جيش صلاح الدين الأيوبي الذي أجلى الصليبيين أول مرة، ثم سلَّم خليفته البلاد للصليبيين في اتفاق أملاه صراعه مع عمِّه، ما جعل مجموعات لا ترضى عن هذا الاتفاق وتقاوم، وكان منها هذا العبد الصَّالح وأصحابه؟

تفيد هذه المعلومات أن هذا البناء مسجد بناه محمد حرب بن علي الصغير سنة 1110 للهجرة، في مشهد لرجل صالح مقاوم للمحتلِّ الصليبي، أو، إن لم يكن احتمال المقاومة صحيحاً، لعالمٍ متميِّز يكنُّ له الناس تقديراً خاصاً ويعدُّونه وليَّاً، ويرفعونه إلى مقام النبيِّ.

 

 

الحربيَّة، من هم؟

وفي محاولة لمعرفة محمد حرب بن علي الصَّغير، ومن ثمَّ الحربيَّة، يتبيَّن لنا أنه معاصر لقبلان الحَسَن، أو لأبيه، ما يعني أنه ينتمي إلى علي الصَّغير وليس ابنه، وممَّا يدل على أنه كان من أعيان آل علي الصَّغير، ومساوياً في المقام للشيخ علي الفارس، من مشايخ الأسرة الصعبيَّة، أن الرِّوايات التاريخيّة تذكر ما يأتي: "في سنة 1189هـ.، نهار الاثنين 15رجب، توفي الشيخ علي فارس...، وفي هذا اليوم، توفي أيضاً الشيخ ابراهيم بن محمد حرب، وفي نهار الخميس 18 رجب توفي الشيخ أيوب بن علي موسى حرب"([7])، وقبل قليل عرفنا أنَّه كان لا يقلُّ أهميَّةً عن قبلان الحسن، حاكم منطقة هونين، وهي إحدى مناطق جبل عامل الثماني.

وهذه المعلومات تفيد أنَّ الحربيَّة كانوا أسرةً من أسر آل علي الصغير، كما أنَّهم كانوا مشايخ معدودين وتؤرَّخ وفاة كلٍّ منهم، وأن بين وفاة ابراهيم بن محمد حرب، وبناء والده للمسجد 79 سنة، ما يعني أن البلدة عرفت استقراراً وأمناً لمدَّة طويلة من الزَّمن في عهد مشايخ من آل علي الصغير يعرفون بـ"الحربيَّة".

وإن يكن محمد حرب قد بنى ما سمَّاه مسجداً، وإن يكن في مركبا دار تحمل اسم دار الحربيَّة، تقع في قلب القرية القديمة، ملاصقة للمسجد الجامع، فهذا يعني جملة أمور:

أوَّلها أن هذه الدار هي دار آل حرب، وهم من آل علي الصَّغير، حكَّام جبل عامل، ابتداءً من عام 1056هـ. عندما انتصر علي الصغير وأنصاره على اليشكريين، وقبل هؤلاء كان أجداد آل علي الصغير حكام هذه المنطقة منذ مجيء محمد بن هزاع الوائلي بعد جلاء الصليبيين إلى جبل عامل، وإلحاقه الهزيمة بحاكمه بشارة وزواجه من ابنته.

وثانيها أن آل حرب بنوا هذه الدار أو جدَّدوها في هذا الوقت، فمن المعروف أن حركة عمرانية قامت في جبل عامل في المائة الحادية عشرة للهجرة، فتبنين كانت خراباً فعمَّرها الشيخ ناصيف النصار، كما عمَّر غيره من مشايخ جبل عامل سائر القلاع، وعمَّر ابن عمه عباس المحمد (ابن عباس بن محمد بن نصَّار بن أحمد بن نصَّار بن مشرف...) صور، وكانت خراباً([8]). ويذكر المؤرِّخون أن زعماء عاملة استقلّوا بمقدراتها عام 1109هـ.، وكانوا آنذاك في عزِّهم، ففي هذه الآونة كانت نهاية المعنيِّين([9]).

وثالثها أنَّ هذه الدار كانت دار الشيخ/المالك. وإذا تذكَّرنا أنَّ أصول العمارة الإسلامية تقضي بأن دار الحاكم تبنى قريبة من المسجد، نستنتج أن المسجد بني قبل هذه الدار، أو معها، أي قبل بناء مقام منذر، لأنه من الطبيعي أن يكون الرجل قد بنى داره واستقر فيها، ثم بنى المقام، أي أن دار الحربيَّة والمسجد الجامع قد بنيا قبل 1110هـ. وما يؤيِّد هذا الاستنتاج أنَّ كبار السِّن من آل الخليل الذين اشتروا القسم الملاصق للجامع من دار الحربيَّة يذكرون أن باباً كان يصل هذه الدار بالجامع، ما يعني أن صاحبها كان يدخل من هذا الباب إلى الجامع.

وإذا علمنا أن مسجد حولا قد بني عام 1000هـ.، كما يقول السيِّد الأمين، نستنتج أن مسجد مركبا قد بني في هذه الآونة، وخصوصاً أنَّ في حولا داراً تقع وسط القرية القديمة تسمَّى دار الحربيَّة، ما يعني أنَّ مركبا وحولا كانا في حوزة الأسرة الحربيَّة، ولعلَّ قرى أخرى كانت في حوزتها أيضاً. ويبدو أنَّ مسجد قرية مركبا الجامع بني من دون قبة، ثمَّ أضيفت إليه هذه القبَّة، إذ إن السيِّد الأمين يقول: إن "مسجد مركبا عليه قبَّة بناها أهل القرية"، أي أنَّه كان من دون قبَّة ثم بنى أهل القرية القبَّة، وعرف السيِّد الأمين ذلك، علماً أنَّ المئذنة لم تكن موجودة، لأن أبناء جبل عامل، كما يقول السيِّد الأمين، كانوا يكتفون بالقبب.

قرية مستقرَّة ومزدهرة

في مركبا آبار كثيرة أمام الدُّور، والبيوت، وفي السَّاحات، ومنها بئر ذات درج، أي بئر متميِّزة يسهل النزول إليها والصّعود منها... في مدخل دار الحربيَّة، أي في مدخل دار حاكم القرية، أو صاحبها وبئر داخل إحدى الغرف في الدار نفسها...، وهذه الآبار تكفي لشرب أهلها ومواشيهم وقت الحصار مهما طال، علاوة على أنَّها تكفي في غير وقت الحصار، كما أنه، إضافة إلى وجود بركة ماء، وهذه موجودة في كل قرية، توجد العين (العين السفلى)، ومن مائها كان يشرب أهل القرية. وتفيد الرِّوايات أن كامل بك ابن خليل بك الأسعد كان يفضِّل ماءها على أي ماءٍ آخر لأنه كان خفيفاً، كما كان يقول. فكانت يُنقل له الماء بالجرار. ومن يتأمَّل هذه العين يتبيَّن أن جهوداً بُذِلت لاختيار المكان، وجهوداً أخرى أكبر بُذلت في الحفر، وفي إعداد ما يسهِّل عملية نقل الماء، مثل الجدران والدَّرج... وإضافة إلى الجهد المبذول لتأمين الماء، هناك ما يدل على أن القرية كانت مستقرَّة ومزدهرة، إذ خُصِّصت "صيرة" للعجال، وبيادر واسعة جداً، ومشاتٍ، وهناك مكان يسمَّى "المشتى" بأل التعريف...

وفضلاً عن هذا كله، يلاحظ أن دار الحربية يدل على أنه بناء معد لتحمُّل الحصار والمواجهة، ففيه آبار كثيرة، وآبار داخل البيوت توفِّر الماء لمن يضطر إلى البقاء في بيته كما ذكرنا، وفيه أيضاً أبنية ملحقة ومخارج تتيح الانسحاب...، وتتوزَّع قرب دار الحربيَّة غرف يبدو أنَّها كانت للفلاحين، ويذكر من حفر في دارٍ تقع شمالي دار الحربيَّة (منزل الحاج إبراهيم رسلان سابقاً) أنَّ بناء يشبه السِّجن وبناءً آخر كأنَّه اصطبل خيول قد كشف عنهما الحفر، غير أنَّهما رُدما عندما رُمِّم البيت...

مركز زراعي - عسكري

وهذا جميعه يفيد أنَّ هذه القرية كانت مركزاً زراعياً – عسكرياً لفرع من آل علي الصَّغير، وهنا قد نفيد من الاسمين: 1- الحربية، فقد تعني دار الحرب أيضاً، 2- ومركبا، فقد تعني موضع ركوب الفرسان أيضاً، وقد يكون هذا الاسم قد أطلق عليها في هذه الآونة، لأننا كما سنرى بعد قليل أن اسماً آخر كان يطلق على المنطقة الممتدة من كتف وادي السلوقي عند بني حيان وطلوسة إلى أكتاف وادي هونين، أي الوحدة الجغرافيَّة/التلال التي تقام عليها الآن مركبا وبني حيان وطلوسة، وقد تمتد هذه المنطقة إلى الجهة الأخرى، فتصل إلى حدود تولين، وهذا ما سنعرض إليه في ما يأتي:

 

 

أرض النَّحارير وعلاقتها بمركبا

يقول السيِّد محسن الأمين (رحمه الله): "ويظهر أن بني حيان، أو طلوسة، أو هما، أو أرضاً فيهما، أو قريباً منهما، تسمَّى النحارير، أو أرض النحارير..."([10]). وأرض النحارير، كما تدل التسمية، هي أرض العلماء الحاذقين المتميِّزين، "يقال: نحر الأمور علماً أي اتقنها، والنَّحِر: الحاذق الماهر والبصير الفطن، النِّحرير: جمع نحارير، الحاذق الفطن العاقل، وقيل: العالم بالشيء المجرِّب، بمعنى أنه ينحر العلم نحراً".

ومن الأخبار التي تؤيد دلالة الاسم أن الشهيد الثاني قال عن نفسه: إنَّه زين الدين بن علي بن أحمد، المعروف بابن الحاجة النِّحريري، وأن صاحب كتاب "روضات الجنات" نسب أحد أجداد الشهيد الثاني، وهو الشيخ صالح بن مشرف، الطلوسي العاملي إلى أرض النَّحارير. وجاءت أرض النحارير في شعر الشيخ شمس الدين محمد الحياني العاملي، المهاجر إلى النجف الأشرف وطوس، وهو معاصر للشهيد الثاني (القرن العاشر الهجري)، يقول الحياني في قصيدة:

حيِّيت يا شام مـن شام ومن سكن

 

ولا تعـدَّاك جون الـمزن يا وطني

وإن أكن قاطناً أرض العراق ففـي

 

"أرض النحارير" لـي قلب بلا بدن

ويقول في قصيدة أخرى:

إذا ما بـدا مـن جانـب الشام معرق

 

عـسـاه لقلبـي بالوصال يـبـشِّـر

وإن هـبَّ من أرض النحاريـر نسمة

 

تـنسَّمـت روح الوصـل فيها فأذكـر

رعـى الله أياماً انقضـت وأعـصـراً

 

مضت فـي بنـي حيان، والغصن أخضر

وقال في قصيدة أخرى معتزَّاً بنسبه، وهو يصف قصيدة له:

عربيَّــة الألفاظ حـيانيَّـة

 

يعنو لـمعنى حسنها حـسَّان

وقال، وهو في النجف الأشرف، يخاطب ضريح الإمام علي بن أبي طالب (عليه السَّلام):

ولولا ضريـح أنت فيه موسَّـد

 

لـما اخترت غير الشام، أرضي، من بدل

ولا كنـت عن أرض النحارير نائياً

 

ولا عـن بنـي حيَّان ما ساعد الأجـل

وممَّن نسبه حيَّاني من العلماء الشيخ محمد بن أحمد بن حسن بن علي بن ابراهيم الحيَّاني، العالم الفاضل، الشاعر الأديب، المنشئ، كان قاضي بعلبك. جاء في كتاب أمل الآمل: رأيت كتاباً بخطه تاريخ سنة 1030هـ...([11]).

وممَّن يُنْسب إلى أرض النحارير الشيخ زين الدِّين علي التوليني النحاريري العاملي، يقول السيِّد الأمين: "ورسالة الصَّلاة للتوليني موجودة في الخزانة الرضويَّة وكتابتها سنة 917هـ."([12]).

وهذا يفيد أن هذه المنطقة كانت عامرة مزدهرة؛ وكانت فيها حركة علميَّة نشطة إذ نبغ فيها هذا العدد من العلماء، فضلاً عن أنَّ والد الشهيد الثاني أو جدّه ينسب إليها، ولعلَّ الشهيد الثاني نفسه أمضى طفولته فيها، ثمَّ هاجر منها لطلب العلم، أو لأسباب أخرى طارئة...

وإن تكن نسبة الحيَّاني نسبةً إلى أسرة، وإن تكن بني حيَّان اسماً لعائلة حيَّان، أي أبناء حيَّان، ولعل حيَّان هذا يعود بالنَّسب القريب أو البعيد إلى جابر بن حيان، وبخاصَّة أنَّ معظم سكان هذه القرية من آل جابر، وإن يكن اسم طلوسة تحويراً لـ "تولوز"، ومأخوذاً من اسم "تولوز"، وهو اسم قد يكون أطلقه من كان مقيماً من الصليبيِّين الفرنسيِّين في قلعة "دوبي"، الواقعة على مقربة من القرية، على هذه القرية. وقد يكون في صفات أبناء طلوسة (زرقة العيون، التآلف...)، وفي اسم الأسرة التي تمثِّل معظم أبناء هذه القرية (ترمس = تولوز) ما يؤيِّد هذا الاستنتاج، وإنَّ يكن اسم مركبا يعني موضع الركوب العالي المشرف...، فهذا كله يعني أنَّ هذه الأسماء: بني حيَّان، طلوسة، مركبا أسماء طارئة، وأن الاسم الأصلي هو أرض النحارير، وما يدل على أنَّ حيَّانيَّاً معروفاً كان يقيم في مركبا هو وجود بئر قريبة من مشهد منذر اسمها بئر الحيَّاني، والحيَّاني، هنا، نسبةٌ إلى أسرة، فهل نقول: إن الحيَّانيِّين هم أسرة نبغ منهم غير عالم شاعر وكانوا – أو كان بعضهم يقيمون في مركبا، بوصفها جزءاً من أرض النَّحارير، ثمَّ غادروا إلى منطقة أكثر أمناً هي ما يسمَّى اليوم بني حيَّان، في آونة خطرة من التاريخ هي زمن اجتياح أحمد باشا الجزار لجبل عامل؟

ثمَّ هل يفيد هذا كله أن منطقة عرفت باسم أرض النحارير قامت فيها مقاومة للاحتلال الصليبي ابتداءً من عام 583هـ.، العام الذي حدثت فيه معركة حطين، أو ابتداءً من العام الذي تم فيه الاتفاق بين خليفة صلاح الدين الأيوبي والصليبيين على تسليم المنطقة لهم...، وازدهر فيها العلم إلى درجة أن نسب إليها من العلماء من ذكرنا، وبخاصَّة أن واحداً من قدامى علماء جبل عامل، وهو الشيخ نجم الدين طومان بن أحمد المناري، المتوفى عام 728هـ.، ينتمي إلى هذه المنطقة المذكورة: المنارة، وهي اليوم مستعمرة المنارة المحتلَّة القريبة من ميس الجبل، وقد رحل لطلب العلم في العراق، وهو من أساتذة الشيخ مكي والد الشهيد الأول محمد بن مكي.

كانت الحياة، في هذه المنطقة، كما تفيد المعلومات السابقة، مستقرَّة، فالعالم الشاعر الأديب القاضي محمد بن أحمد بن محمد بن حسن بن علي بن ابراهيم، الذي ألف كتاباً عام 1030هـ.، له خمسة أجداد في هذه المنطقة، وإن حسبنا لكلِّ جد خمسين سنة، نصل إلى عام 780هـ. كما أنَّ العلم كان فيها مزدهراً، فوجود هذا العالم دليل على ذلك، كما أن وجود عالم آخر هو أحد أجداد الشهيد الثاني دليل آخر، علاوة على ما يدل عليه شعر الحنين إلى هذه الأرض، فهي أرض نحارير يُحَنُّ إليها، ويستطاب العيش فيها، وكان غصن العيش فيها أخضر كما قال الشيخ الحيَّاني في شعره.

وإن تكن ميس الجبل قريبة من هذه الأرض، ولازدهار العلم فيها دلالة، فقد يكون من المفيد أن نذكر أن مدرسة علي بن عبد العالي الميسي (ت 933هـ./1526م.) كان فيها حوالى 400 طالب، منهم الشهيد الثاني.

هجرة إليها حديثة

إن نكن قد تحدَّثنا عن منطقة مستقرَّة مزدهرة قديمة يعود استقرارها وازدهارها إلى ما قبل عام 1030 هجرية بخمسة أجداد على أقل تقدير، وهو العام الذي ألَّف فيه العالم الحيَّاني كتابه، كما ذكر صاحب أمل الآمل، فإن الواقع يفيد، في ما يتعلق بمركبا، ما يناقض هذا الحديث، وذلك أن أبناء هذه القرية يعرفون أنَّ أوَّل من سكن فيها من أجدادهم، قدم إليها منذ حوالى 200 سنة على أبعد تقدير،. وكي يكون الكلام ملموساً، أذكر نفسي مثالاً، فأنا عبد المجيد حسين مصطفى أمين محمد زراقط، أقف عند الحاج محمد زراقط الذي كان أول من قدم إلى مركبا من آل زراقط، أي أقف عند الجدّ الرابع. وإن كان ابنه أمين قد توفي عام 1330هـ.، كما يفيد شاهد قبره، وهو قبر عني به ابنه الحاج مصطفى، ونقش عليه ما كان يُنْقَش آنذاك على القبور من شعر يُنسب للإمام علي بن أبي طالب (عليه السَّلام):

وفدت على الكريـم بغير زادٍ

 

من الـحسنات والقلب السليم

وحـمل الزَّاد أقبح كل شيءٍ

 

إذا كان الوفود على الكريـم

نقدِّر سنة وفاته – أي سنة وفاة الحاج محمَّد والد أمين - بـ1310هـ.، ونقدِّر عمره آنذاك بـ 65 سنة أمضى منها خمساً وثلاثين في مركبا، أي يكون قدومه إلى مركبا حوالى سنة 1275هـ.

وينطبق هذا الأمر على باقي العائلات، مع وجود فوارق غير كبيرة، فالمعروف أن أوَّل من قدم إلى مركبا هم آل حمود، وقدموا بمواشيهم إلى منطقة حرجيَّة صالحة للرَّعي، وسنعرف ما يؤكد هذه المعلومة بعد قليل. ومن هنا سمَّي دارهم دار العَيْلة باعتبار أن باقي الدور هي دور أفراد. وإن لاحظنا مواقع الدور مراعين أن حركة البناء كانت تتجه جنوباً وشمالاً وشرقاً من دار الحربيَّة نستنتج أن ترتيب هذه الدور هو كما يأتي: الحربيَّة = المركز، وقد بقي من دون سكان إلى أن اشتراه آل (صيداوي) الخليل وآل شحيمي، يليه دار "العيلة"، آل (عبيد) حمود إلى الجنوب وآل منذر إلى الشمال، وآل عطوي، علماً أنَّ دارهم الأولى هي الدار الملاصقة لدار الحربيَّة (دار محمد شريف عطوي الآن) ثمَّ بنيت الدور الأخرى. آل (إسماعيل) نور الدين، آل (أبو عروج) حيدر، آل زراقط، آل شمس الدين،... ولا يمنع هذا من أن يكون الأفراد، إبَّان السنوات الأولى من مجيئهم، قد سكنوا غرفاً قبل أن يبنوا الدور الخاصة بهم بعد أن صاروا أسراً تستقل كلٌّ منها بدار خاصَّة بها.

حقيقتان تتناقضان

يفيد ما سبق حقيقتين: تفيد أولاهما قدم قرية مركبا واستقرار الناس فيها وازدهار حياتهم، وبخاصة الحربيَّة والزراعية والعلميَّة، منذ زمنٍ بعيد، وتفيد ثانيتهما أنَّ سكَّانها الحاليِّين يعلمون أنَّ أوَّل من قطنها من أجدادهم قدم إليها منذ ما لا يزيد على مئتي سنة، فكيف يمكن التوفيق بين هاتين الحقيقتين؟ وأين أبناء حرب بن علي الصغير، أصحاب دار الحربيَّة، إذ لا يوجد أحد منهم في مركبا، اليوم، كما نعلم؟

في سبيل الإجابة: حركة استقلال تلاها اجتياح وتهجير

تجيب وقائع التاريخ عن هذين السؤالين، وفي عودة إلى الوقائع سوف نمر سريعاً ببعض منها، ثم نتوقف عند محطَّة نجد في أحداثها الإجابة.

سنعود إلى الزمن الذي تحرَّر فيه جبل عامل من الصليبيِّين، ففي هذا الزَّمن كان حاكم هذه المنطقة الأمير حسام الدين، بشارة بن أسد الدين بن عامر... (بشارة بن مقبل في رأي آخر يذكره شبيب باشا الأسعد)، ولعلَّه كان أحد أمراء جيش صلاح الدين الأيوبي، شارك في الحرب، فأقطعه هذه البلاد، وسُمِّيت "بلادَ بشارة" باسمه. وفي عهده، قدم من بلاد نجد إلى جبل عامل محمد بن هزاع العنزي الوائلي، من ربيعة، فتزوج بابنة بشارة، ثم دارت حرب بينه وبين أمير البلاد انتصر فيها وتولى الحكم، في المائة الثامنة هجرية، وجعل مقر إقامته في تبنين بعد أن جدّد بناء قلعتها الذي بناه حاكم طبريا الصليبي هو هوغ دي سان أومير سنة 1107م.، وسمَّاه بـ"طورون"، وتولَّى أبناؤه الحكم واحداً بعد واحد إلى أن مات أحدهم، كما تقول الرِّوايات، وهو أحمد، من دون وريث، وترك زوجته حاملاً، فأخذها أخوتها، وهم من السوالمة، فخذ من عنزة، إلى مقر إقامتهم في فلسطين، وسمَّت المرأة ابنها علياً، ولقب بالصغير، لأنه كان له خال اسمه علي...

وسيطر، في هذه الأثناء، بنو شكر على البلاد، ولما شب علي الصغير، عرف ما حدث، فقدم بجماعة إلى جبل عامل، وساعده مؤيدو أسرته، فغافل بني شكر، وهم يحتفلون بعرس، وهاجمهم في أماكن إقامتهم، وتختلف الرِّوايات بين عيناثا ومعركة وتبنين وقانا، وهزمهم واستولى على البلاد، وحكمها، وتوارث الحكم من بعده أبناؤه، وبقيت الزعامة تنتقل، إلى أن صارت إلى الشيخ مشرف بن أحمد بن نصَّار بن حسين بن آل علي الصغير، فقاد الصفوف وبنى مزرعة مشرف، وهي حصن طبيعي، سنة 1108هـ. ورفع راية الاستقلال الذاتي، التابع للدولة العثمانية وتوفي سنة 1114هـ. وقد سبق أن ذكرنا أنَّه، في هذه الآونة، تمَّ بناء مسجد منذر في مركبا ومسجد هونين، ما يعني أنَّ حركة العمران، في جبل عامل، كانت شاملة.

وبقيت الأمور تتقلب، في جبل عامل، إلى أن جاء ناصيف بن نصَّار بن أحمد بن نصَّار بن مشرف. وبدء الحديث في كتب التاريخ عنه منذ سنة 1163هـ.، فقسِّمت البلاد، وكانت منطقة مستقلة استقلالاً ذاتياً إلى ثماني مقاطعات هي: مقاطعة الشقيف والشومر والتفاح في الشمال وجبل هونين وجبل تبنين وساحل قانا وساحل صور في الجنوب، وكان لكل مقاطعة حاكما، وكان ناصيف شيخ المشايخ، فضبط الأمور وحصَّن البلاد، وأصدر منشوراً سنة 1163هـ./1749م. بنقل مراكز الحكم إلى القلاع والحصون، ومن القلاع التي جُدِّد بناؤها هذه السنة قلعة دوبية التي جدد بناءها ظاهر بن نصَّار النصار ابن أخي ناصيف، وكانت مقر مراد النصَّار، ويصف حيدر الشهابي في كتابه، في حوادث سنة 1183هـ./1769م. حكم ناصيف بقوله: "وكانت تحت يده حصون وقلاع وبلدان وضياع وفداويه يركبون الخيل وفرسان وأبطال شجعان، وقد راق لهم الزمان، وتملَّكوا البلدان"([13]).

ومن الرِّوايات التي تدل على استعداد العامليِّين، آنذاك، للحرب، وتآزرهم، وقدراتهم، ما يُروى من أن أحد العامليين، وكان يحرس حقله، أطلق طلقاً نارياً في الليل، فتجاوبت الطلقات، ولم يطل الصَّباح حتى كان قد وصل إليه آلاف الفرسان، ظنَّاً منهم أنه كان يطلب النجدة([14]).

وينسب إلى ضاهر العمر، والي عكا آنذاك، قوله عن المتاولة، إنهم في سماء عزهم، وقد بلغ جيشهم العشرة آلاف فارس من الأبطال المجرَّبين.

وخاض ناصيف معارك كثيرة وانتصر فيها، فهزم ضاهر العمر والي عكا في معركتي دولاب والبصَّة، ويوسف الشهابي، والي الشوف وجبل لبنان، في معركتي كفررمان 1185هـ.، 29/10/1771م. وحارة صيدا... وبعد أن حقَّق استقلال مقاطعته تحالف مع ضاهر العمر الذي كان قد حاربه من قبل، يوم الجمعة 8 رجب سنة 1181هـ. في عكا، ومع علي بك الكبير والي مصر، ولعل الهدف من هذا التحالف كان الاستقلال عن الدولة العثمانية، ويبدو أن هذا التحالف ضمن تأييد روسيا (بلاد المسكوب) التي كانت في حالة حرب مع الدولة العليَّة...

ومن مظاهر وحدة الجبل خبر يفيد أنه، سنة 1182هـ.، كانت تُؤدَّى صلاة الجمعة في شقراء، وكان يحضر أمير البلاد ناصيف النصار الصلاة([15]).

لكن تطوُّرات الأحداث أدَّت إلى أن يُهزَم علي بك الكبير ومن ثمَّ ضاهر العمر، ومن ثمَّ ناصيف الذي قتل في يارون، وهو يحارب على رأس قوَّة صغيرة، أعدَّها على عجل وقادها لترد جيش أحمد باشا الجزار المزمع دخول جبل عامل.

قتل ناصيف سنة 1195هـ./1780م.، ودخل جيش الجزَّار جبل عامل، واجتاح البلاد. يقول المؤرخون في وصف ما حدث:

- "ثم اكتسحت جنود الجزار البلاد، وأحرقت القرى، ودمَّرت المنازل، أسرف رجاله في ذلك الشعب قتلاً وذبحاً، وقبض على فريق من الوجهاء فأماتهم خنقاً في سجون عكا، وشرَّد من بقي منهم إلى البلاد المجاورة..."([16]).

- ويقول الشيخ محمد مهدي مغنية، نقلاً عن العقد المنضَّد في شرح قصيدة علي بك الأسعد للشيخ علي سبيتي: "وبعد مقتل ناصيف النصَّار، انتكبت البلاد، وتشتت أهلها، وحكم بها الأكراد، فأظهروا على أهاليها الحقد، ومنعوهم أن يملكوا من أمرهم شيئاً حتى كانوا مع الحكام عبيداً صرفاً"([17]).

- ويقول الشيخ علي الزين: "واشتد البلاء على الناس اشتداداً عظيماً، وطال الأمر حتى هلك العالم، وخربت القرى، واستُصْفِيَت الأموال، ونُهب جميع ما في عاملة من كتب وآثار وعقار...". وينقل الشيخ علي الزين عن المؤرخ الركيني قوله: "وآل أمر بيت علي الصغير، بعد قتل ناصيف، إلى أن هربوا، ورحلوا إلى ديرة الشام وإلى بعلبك الهرمل... ومن رجع حبس وقتل..."([18]).

وطبيعيٌّ أن يكون آل حرب، وهم من آل علي الصَّغير من الوجهاء الذين قتلوا أو شرِّدوا، ومن الطبيعي أن يكون سكَّان مركبا من الناس الذين هربوا وتشتَّتوا بعد أن هوجمت قريتهم وخربت...

ولم يحل هذا الواقع دون قيام انتفاضات، مثل انتفاضة حمزة المحمَّد النصَّار، من آل علي الصغير، وكان مدبِّره شخص اسمه علي الزين من شحور، سنة 1197هـ.، لكنها، وإن لقيت نجاحاً في بدايتها، ما لبثت أن قُمِعَت بوحشية، ومثل مقاومة فارس بن ناصيف... ثم اعتمد من بقي من الأهالي حرب العصابات، وسمِّيت بـ"الطيَّاحة"، واشتد ظلم الجزَّار بعد رحيل نابوليون بونابرت عن عكا لأنَّه اتهم العامليين بمساعدته... وجاء في الكتب التي أرَّخت لتلك المرحلة ما يأتي عن تعاون العامليين الفارِّين من وحشية الجزَّار وهمجيَّته مع نابليون.

يقول نقولا الترك: "وحضر، أيضاً، عام 1799م.، مشايخ بني متوال، فأعطاهم [نابوليون بونابرت] حكم بلادهم، وصاروا من عند أمير الجيوش إلى صور، وقدًّموا له الذخائر من البلاد، وتسلَّموا القلعة التي كانت لآبائهم([19]).

ويقول حيدر شهاب: "ولمَّا وصلوا إلى عكا، حضرت إلى عندهم المشايخ المتاولة، فأعطوهم الحكم الذي كان بيدهم في بلاد بشارة"([20]).

ويقول أحد ضباط الحملة الفرنسية: "المتاولة نوع من الرجال الرائعي الجمال، معظمهم ينعم بقامات طويلة، حسنو التكوين، أشدَّاء"([21]).

أعتقد بأن هذه الأحداث تفيد، في ما يتعلق بمركبا، أنَّا أصيبت بما أصيبت به قرى جبل عامل جميعها من نهب وقتل بعض سكانها وتشريد بعضهم الأخر، والمرجَّح أنها نالت القسط الأكبر من البلاء والخراب لأن متسلِّميها كانوا من مشايخ آل علي الصغير، ولأنَّها كانت من الأماكن التي حُصِّنت وجُعِلت مواضع لركوب الخيل...، فخرِّبت وهُجِّر أهلها...

اتفاق مع الدولة العثمانيَّة وعودة المهجَّرين

وبقي الأمر، في جبل عامل، هكذا، إلى أن مات الجزَّار سنة 1219هـ./1803م.، وكان قد تولى ولاية عكا سنة 1189هـ.، وتولَّى سليمان باشا ولاية عكا سنة 1220هـ./1805م.، فتم عقد اتفاق بين هذا الوالي وأبناء العشاير، بعودة هؤلاء وعودة الحكومة الإقطاعية، وعلى رأسهم فارس بن ناصيف النصار، وأعطي هؤلاء بدلاً من أملاكهم أملاكاً أخرى حُصِرت في إقليم الشومر، يقول شبيب الأسعد في ما يقوله عن هذا الاتفاق:

"... إنما يصير جعل عوض عن تلك الأملاك والإنشاءات، وينحصر هذا العوض بجهة مخصوصة... إعطاء مقاطعة إقليم الشومر عوضاً عن تلك الأملاك المتفرقة سائر البلاد"([22]).

وجاء في خطط جبل عامل: "الطيبة أقطعتهم إياها [آل الأسعد] الدولة العثمانية مع قطائع أخرى في الشومر وغيره، عوضاً عمَّا سلبه الجزَّار من أملاكهم"([23]).

وهكذا كانت أرض مركبا، وهي واسعة لأنَّها كانت أرضاً تعود لفرع من فروع (مشايخ) آل علي الصغير، ومبانيها، ممَّا سلبه الجزار، ومن ثمَّ صارت ملكاً للدولة العثمانية التي كانت تعطي الأرض للقادر على دفع الضرائب المترتبة عليها (بالضمان أو بالالتزام)، ثم وضعت الدولة العثمانيَّة أنظمة إدارية وقوانين مدنية، تقضي بزوال الإقطاع سنة 1856م. ويقول الشيخ محمد تقي الفقيه أن الدولة العثمانيَّة، بعد موت علي بك الأسعد (علي بن أسعد بن محمد بن محمود بن نصَّار...) عام 1282هـ./1865م.، على أثر الصراع المشهور بينه وبين تامر بن حسين بن سلمان بن عباس بن محمَّد بن نصَّار... (المتوفَّى سنة 1298 في ميس الجبل، وكان قد قد نافس علي بك الأسعد 1279هـ./1862م.) "ألغت الحكم الإقطاعي، وحكمت البلاد حكماً مباشراً، وسجَّلتها باسم الأهلين، ووضعت عليها الضرائب، بعد أن كانت البلاد لا تعرف شيئاً من ذلك كله"([24]).

وإن كان أمر هذه المرحلة التاريخيَّة المهمَّة، في تاريخ جبل عامل بخاصة وولايات الدولة العثمانيَّة بعامَّة، يحتاج إلى شيءٍ من التفصيل، فإنَّنا نرى أنَّ الزَّمن الذي اعتقل فيه الوالي العثماني علي بك الأسعد ومحمد بك الأسعد واقتادهما إلى دمشق؛ حيث توفيَّا، هو الزمن نفسه الذي قضت فيه الدولة العثمانيَّة على النِّظام الإقطاعي في عموم البلاد؛ ومن ذلك إنهاء عهد الحكم الشهابي، وإلغاء إمارة لبنان الوراثية عام 1842م. وذلك سعياً إلى تحقيق الإصلاح الذي بدأه العثمانيون منذ عام 1839م.، حين صدر "خط كلهانة شريف"، وقد تلا هذا الخط صدور فرمان سلطاني سنة 1856 ويقضي بإلغاء امتيازات الإقطاعيين وتساوي الناس جميعاً أمام القانون، ووضع القانون العقاري الجديد سنة 1858م. القاضي بإجراء توزيع جديد للأرض يربط الفلاَّح بأرضه ويشجِّع التجارة، وقد بدئ بتنفيذه في العقد الثامن من القرن التاسع عشر في جبل عامل([25]).

قسِّمت الأرض، وسجلِّت باسم من هي تحت يده، وإن لم يرغب هذا خشية من عدم قدرته على دفع الضرائب، تسجَّل باسم من يرغب من الزعماء والأغنياء.

كانت الضَّرائب كثيرة ومتنوِّعة، وهي: 1- رسم مقطوع على الأرض يُسمَّى "ويركو". 2- رسم على الانتاج الزِّراعي يسمَّى "أعشار". 2- رسم على الدُّور والبيوت يسمَّى "مسقَّفات". 4- رسم على الطٌّرق 5- ويركو شخصي على التجار والحرفيِّين.

قدوم السكَّان إلى مركبا

وإلى هذا العام (1282هـ./1865م.) وما يليه تعود كثير من نصوص الملكية، "سند خاقاني"، ففي هذه الآونة بدأ قدوم السكان إلى مركبا، ليتملكوا الأرض، وقد سبق أن قدَّرنا أن قدوم الحاج محمد زراقط إلى مركبا كان حوالى سنة 1275هـ.، وهذا يصدق على باقي الأسر، مع فروقات بسيطة...، وهكذا جاءت هذه العائلات تباعاً لتستأنف الحياة في قرية كانت عامرة ومزدهرة، وهُجِّر أهلها في دورةٍ من دورات الحروب التي عرفتها هذه المنطقة.

ويبدو أنَّ مدَّة إفراغ القرية كانت طويلة فممَّا يُروى، نقلاً عن كبار السِّنِّ في مركبا، أنَّ الأشجار الحرجيَّة كانت على مقربة من البيوت. ولعلَّ بدايات السكن في هذه القرية كانت لرعي المواشي كما ذكرنا قبل قليل، ثم بدأت مرحلة استصلاح الأرض من جديد.

ويروي الشيخ محمد تقي الفقيه عن أحمد (أحمد بن عبد اللطيف بن خليل بن أسعد بن خليل بن ناصيف بن نصار...) الأسعد ما يأتي: "ثم اختل الأمن، وكانت البلاد قد استأجمت وتحولت بترك الزراعة أحراشاً"([26])، وهو يفسِّر في ذلك تعيين جده خليل مأموراً للأحراش من قِبل الدولة العثمانيَّة.

ولم يكن عدد سكان القرية كبيراً، وإن قارناها بتبنين، وهي أكبر منها، فإنَّ الرحَّالة روبنسون يقول: إنَّ عدد الذكور فيها 380، عام 1852م.



([1]) ابن منظور، لسان العرب، بيروت: دار صادر، ط. 2، 1922، 1/428. وابن فارس، معجم مقاييس اللغة، مركز النشر – مكتب الإعلام الإسلامي، 2/432.

([2] ) أنيس فريحة، معجم أسماء المدن والقرى اللبنانية، بيروت: مكتبة لبنان، ط. 2، 1972، ص. 167.

([3]) السيِّد محسن الأمين، خطط جبل عامل، حققه وأخرجه السيِّد حسن الأمين، بيروت: الدار العالمية، ص. 354.

([4]) المصدر نفسه.

([5])السيَّد حسن الأمين، جبل عامل: السيف والقلم، بيروت: دار الأمير، ط. 1، 2003، ص. 193.

([6]) خطط...، م.س.، ص. 178.

([7]) راجع: الشيخ محمد تقي الفقيه، جبل عامل في التاريخ، بيروت: دار الأضواء، ط. 2، 1986، ص. 82.

([8])المصدر نفسه، ص. 252.

([9]) المصدر نفسه، م.س.، ص. 182.

([10]) خطط...، م.س.، ص. 108 و 248 و318 و366.

([11]) راجع: المصدر نفسه.

([12]) السيِّد محسن الأمين، أعيان الشيعة، حقَّقه وأخرجه السيِّد حسن الأمين، بيروت: دار التعارف، ط. 1، 8/177.

([13]) محمد جابر آل صفا، صفحات من تاريخ جبل عامل، بيروت: دار النهار، ص. 86، نقلاً عن حيدر الشهابي.

([14]) العرفان، م. 2، ص. 287.

([15]) خطط، م.س.، ص. 16.

([16]) صفحات من تاريخ جبل عامل، م.س.، ص. 84- 87 و137.

([17]) علي الزين، فصول من تاريخ الشيعة في لبنان، بيروت: دار الكلمة، 1979، ص. 93.

([18]) المصدر نفسه، ص. 94 و96، نقلاً عن العرفان، ص. 952، مجلد 28.

([19]) نقولا الترك، ذكر تملك جمهور الفرنساوية الأقطار المصرية والبلاد الشامية، تحقيق ياسين سويد، بيروت: دار الفارابي، 1990، ص. 76.

([20]) حيدر شهاب، لبنان في عهد الأمراء الشهابيين، بيروت: 1969، القسم الأول، ص 192.

([21]) يوسف معوض، النهار، الاثنين، 29/12/2003، ص. 15 يحيل إلى Yoseph Mouawad, Bonaparte et les communautés Libanaise, les calures de L'Orient, Deuxième trimestre, 1889, P. 278.

([22]) ديوان شبيب الأسعد، بيروت: توزيع دار الكتب الثقافيَّة، ط. 2، 1410هـ./1990م.، ص. 36.

([23]) خطط، م.س.، ص. 319.

([24]) جبل عامل في التاريخ، م.س.، ص. 140.

([25]) راجع: علي الزين، للبحث عن تاريخنا، ط. 3، ص. 154 و155.

([26]) المصدر نفسه، ص. 341.

malware removal and website security

جميع الحقوق محفوظة لــ موقع بلدية مركبا

2012